Overblog
Editer l'article Suivre ce blog Administration + Créer mon blog

إيزابيل إبراهاردت ومعاناة الأهالي - وقائع سنة 1903 بإقليم العين الصفراء

إيزابيل إبراهاردت ومعاناة الأهالي - وقائع سنة 1903 بإقليم العين الصفراء

إيزابيل إبراهاردت ومعاناة الأهالي

وقائع سنة 1903 بإقليم العين الصفراء

 

العين الصفراء أو جوهرة الجنوب الغربي كما يحلو للبعض تسميتها هي عاصمة الجنوب الوهراني و مقر الإقليم العسكري ( مقاومة عسكرية مستقلة ) تمتد من رأس العين إلى أدرار ، إقليمها كان أكبر الأقاليم و أكثرها دموية بحكم موقعه الاستراتيجي و المقاومة الباسلة لقبائل المنطقة المحاذية لحدود المغرب الفارق في الفوضى إبان الاستعمار الغاشم .

سميت العين الصفراء بهذا الاسم نسبة إلى منبعها الذهبي الخالص المنهمر من الكثبان الصافية ، تقع وسط الجبال و تشتهر بجبلها الشامخ " مكثر " 2061 م ذو العمق الأزرق و الذي يشكل انسجاما رائعا مع الكثبان الرملية الشاسعة المتناهية في الأفق ، إنه متحف مفتوح على الطبيعة على طول مرتفعات القصور ناحية مرصعة بالرسومات الحرفية الممثلة لمراحل العصر النيوليوتي .

حينما ترغب في الكشف عن محاسن العين الصفراء فإنك ستطلع على منظر متنوع خلاب ( جبال ، واحات ، قصور قديمة ، أبراج تاريخية ، عدد كبير من النكبات ، قلعة بوعمامة المحصنة ، حمام عين ورقة المعدني و منظره المغري ، وفوهاته التي لا تزال أسرارها غامضة ، أخيرا محطة النقوشات الحفرية  بتيوت و المكتشفة سنة 1847 من لدن إرسالية الجنرال " كافينيــاك " .

 هذه العاصمة معروفة بمقاومتها المجيدة ضد الاحتلال الفرنسي من  ثورة بوعمامة التي دامت أكثر من 25  سنة مرورا ببطولات المجاهد محمد ولد علي و معركته للعقيد " بيي " بجبل بني سمير و نقرأ اليوم النصب التذكاري المخلد لهذه المعركة بهذا الجبل " 5 نوفمبر 1881 الملازم الأول"  لودارابي "  العريف " بيلكز " مشاه الدرجة الأولى ..) . وفي 21 سبتمبر 1900 سقط محمد ولد علي شهيدا .. إلى الثورة التحريرية المظفرة التي ضيقت الخنادق على المحتل  الفرنسي فلجأ لأول مرة بالقطاع الوهراني إلى استعمال نار الموت " النابالم " بمعركة  جبل امزي الشهيرة بالعين الصفراء ...  

فمدينة العين لصفراء تزخر بإمكانيات متنوعة ، تفتح أفاقا كبيرة للمستثمرين للقيام بعمليات ملموسة في ميدان السياحة و إنتاج مواد البناء ، إسمنت ، جير ، رخام ، زجاج ...إلخ

وقائع سنة 1903

العين الصفراء ارتبط اسمها كذلك بشخصية تاريخية مهمشة ، طواها النسيان لما أثير  حولها من شكوك و ظنون ، هذه الشخصية التي أحبت الشعب الجزائري و اعتنقت دينه و ساندته في  جهاده ضد الاستعمار الفرنسي مستنكرة لجبروته بقلمها الجريء بأسلوب رومانسي دافئ تارة و ساخر تارة أخرى ، وهو ما نستشفه من خلال مراسلاتها الصحفية بجريدة ( الأخبار ) و ( لاديباش ألجيريان ).

  شقت هذه الشخصية طريقها نحو الجنوب الوهراني مرتدية بدلة الفارس العربي و باسم مستعار " سي محمود" هذه الشخصية ما هي إلا فارسة الرمال الشهيرة المسلمة ذات الأصل الروسي إيزابيل إبيرهاردت  والتي لقبها حينها نساء العين الصفراء   " محمودة " و في مقال بأسبوعية " الجزائر الأحداث " رقم 262 بتاريخ 25 أكتوبر 1970 تحدث  مثقف جزائري لامع عن " إيزابيل " واصفا إياها بحكم شجاع و عادل لما كان بصدد إعادة قراءة الأحداث سنة 1903 من خلال جريدتي " الأخبار و لاديباش ألجيريان" .. . نقيس درجة ما كانت تمثله إيزابيل بالجزائر و سعة مشاركتها في الواقع الجماعي و أبعد من ذلك لقد اقتنعت بإخفاق الاستعمار في الوقت الذي كان فيه" لويس برطران" و تلامذته إلى المساهمات اللاتينية أو المسيحية . فلقد أعادت إيزابيل بقوة استمرار القيم العربية الإسلامية و تماسك العالم العربي البربري و لهذه الأسباب ، لها الحق في اعتراف الجزائريين .

يقول الجنرال " ليوتي " في كتاباته عن إيزابيل بأنها عاصية و متمردة و كان يشار لها في الخطابات الرسمية كالخطاب حاكم  العام الجزائري "روجي ليونار " في 28 نوفمبر 1953 و الذي ألقاه بمناسبة  تدشين نصب الماريشال ليوتي ( ومما جاء فيه عن إيزابيل بأنها فتاة غربية ذات موهبة ورقة تشهد على روح صافية رغم حياتها المضطربة ) .

لنعد إلى وقائع 1903 فبعد ثورة الشيخ بوعمامة و بطولات محمد ولد علي ، برزت للجنوب الكبير أحداث أخرى قلبت معطيات الاستعمار الفرنسي رأسا على عقب ففي 31 ماي 1903 تعرضت حراسة الحاكم العام للجزائر" جونار " لهجوم رجال السي بوعمامة ( الطيب أبن الشيخ بوعمامة ) بالطريق المؤدي إلى فيقيق ( المغرب ) قرب واحة نخيل زناقة ، وتبعا لخطورة الأحداث قام الحاكم بزيارة عمل للعاصمة الجنوب الوهراني يومي 17 و 18 أوت 1903 هنا طوق المجاهدون المركز العسكري لتاغيت ( 100كلم جنوب بشار ) و الذي كان تحت قيادة النقيب " دوسيسبيال " حيث دامت المواجهات عدة أيام أسفرت عن عدد كبير من القتلى لكلا الجانبين و في 02 سبتمبر 1903 هاجم 200 مجاهد بالمنقار( 30 كلم شمال تاغيت ) قافلة محملة بالمئونة و الأسلحة و كانت الحصيلة ما يقارب 40 جنديا أجنبيا للقبعات البيض و جرح 46 آخرين من أصل 110جنديا كانوا مكلفين بحراسة القافلة ، على إثرها نقل الجرحى إلى المستشفي العسكري بالعين الصفراء.فهذه الهجمات ما هي إلا مقاومة قوية للسكان المحليين ضد النفوذ الاستعماري .

هذه الأحداث المتتالية بثت الرعب و القلق في فرنسا  وجعلت الحاكم العام "جونار" يؤكد على ضرورة وضع نهاية الأمن بالجنوب الوهراني ، و في 12 نوفمبر 1903 تمكنت القوى الاستعمارية من احتلال بشار حيث أنشأ المستعمر نقاطا دفاعية جديدة لحماية خط الاتصال ببني ونيف و الواحات الصحراوية و نشطت هذه الإستراتيجية عند تعيين قائد حازم و متمكن على رأس مقاطعة العين الصفراء ، إنه العقيد المشهور " لويس إيبارت ليوتي " فمن يكون ليوتي إذن ? 

ليوتي هو تلميذ ضابط متخرج من المدرسة العسكرية "سان سير" ارتقي إلى رتبة عميد بـ "طونكان" ليصبح نائبا للجنرال "غاليلني" بمدغشقر ، ثم قائدا على إقليم العين الصفراء . وفي الفاتح أكتوبر 1903 هاهو يستعد لأداء مهام استعصت على غيره  ، هذا ما قاله الحاكم العام للجزائر "جونار" في كتاباته عن "ليوتي" و لقد لخصها بقوله " إن أجمل الانتصارات هي انتصار إقرار السلم للحد من الخسائر و لا ننس أبدا بأنه يجب بناء غد قريب في بلد يناصبنا العداء سنجعله صديقا بالعرفان ، فمن الأجدر لنا أن نتصرف على طريقة ثقافية عرض المطرقة .

كان "لليوتي"  اتصالا بالأب "دوفوكولد" الذي يصبح حبيس الهقار بعد حين ، حيث تعرف به  حينما  كان ملازما أولا ببني عباس ،و للمحافظة على احتلال بارقامت بالمغرب باعتبارها منطقة حدودية جد ساخنة ، أسندت مهمة الإشراف عليها للجنرال "ليوتي" للحد من هجمات الشيخ بوعمامة ، الخصم العنيد الذي اعترف "ليوتي" و فرنسا على حد سواء بإرادته الفذة و لقبه كأمير بل كأكبر قائد بعد الأمير عبد القادر .

 خلال أحداث المنقار الدموية و جدت إيزابيل الفرصة لتغطية الحدث كمراسلة لفائدة جريدة الأخبار بعاصمة الجنوب الوهراني و نشير إلى مقابلة إيزابيل مع الصحفي اللامع و المبعوث الخاص بالجريدة " الفيقارو ولوماتان جان روديس " فكل الجرائد الصادرة آنذاك بالجزائر و فرنسا نشرت مقالات و روبرتاجات و شهادات  حول هزيمة المنقار ، و هجومات دموية أخرى بالناحية تركت صدى عالميا .

إيزابيل أدت دورها بوعي كمبعوثة خاصة حيث أجرت استجوابات مع جرحى المنقار المتواجدين بمستشفي العين الصفراء ، فكتبت عن بعض تفاصيل المعركة و أسهبت في شرح الحالة المضطربة للفصائل العسكرية و معنوياتهم الضعيفة .

و في بداية 1904 دعت إيزابيل الحركة الفرنسية المناهضة لسياسة الحكم الفرنسي الاستعماري للتحقيق في العنف الغاشم المسلط على سكان الجنوب الوهراني من لدن الجيش تحت قيادة ليوتي وكان هدفها هو تحسيس المجتمع الدولي بهذه القضية ، و بالفعل جاء ابن زوج " إليسي ريكلوس " رئيس الحركة الفرنسية المناهضة لسياسة فرنسا الاستعمارية في الوقت الذي ماتت فيه إيزابيل عن عمر يناهز 27 سنة و إليكم مقتطف من البرقية كما وردت جريدة "لاديباش ألجيريان "بخصوص و فاتها :" العين الصفراء ،هذا الصباح 27 أكتوبر 1904 على الساعة التاسعة و الربع عثر على إيزابيل إبيرهاردت ميتة تحت الأنقاض . سيبقي اسمها مسجلا في تاريخ الأدب الجزائري الحديث ففي جو جنائزي مهيب و بحضور الجنرال ليوتي دفنت إيزابيل بمقبرة المسلمين سيدي بوجمعة بالعين الصفراء . كانت محبوبة بالجنوب الوهراني لإقدامها و شجاعتها فلقد حظيت بنفس الاحترام الذي حظي به رجال الدين لعلمها بالقرآن .

كان حادث موتها في 21 أكتوبر 1904 خلال كارثة فيضان واد لعين الصفراء. فعلى قبرها الذي يزوره غالبا السياح الوافدين إلى العين الصفراء نقرأ باللغتين : سي محمود / إيزابيل إبيرهاردت زوجة "هني سليمان" توفيت في سن 27 سنة ، في كارثة العين الصفراء 21 أكتوبر 1904 .

إن أعمال إيزابيل إبيرهاردت الأدبية تكشف عن معاناة و آلام الشعب الجزائري حيث أشادت بالجزائر و عبرت عنها بقوة نلمسها حقيقة و شاعرية استلهمتها من مناظر العين الصفراء التي و صفتها على طريقة كبار الرسامين فإيزابيل محمودة المسلمة هي منا و من واجبنا إحياء ذكراها على غرار كل أبطال هذا الوطن .

وأنهي هذا المقال بحكم أخر نشر حول إيزابيل بأسبوعية الجزائر الأحداث " بتاريخ 25 أكتوبر 1970 من لدن نفس المثقف : "... كانت إيزابيل مناهضة للاستعمار حيث عبرت عن موقفها بعزة و نكران للذات ، كشف عن روح نضالية لطالما أخمدتها الانتقادات ، لقد وقفت إلى المضطهدين من بلاد الجزائر ، و كشفت النقاب عن الأساليب الاستعمارية إذ روت لنا المهمات الإرسالية للفصائل المسلحة دون مساحيق و لم تكن ملزمة فعلت ذلك بفارق مشحون بتأثر لا يستطيعه إلا من كانت حياته رسالة إنسانية ..."

هذه إذن نبذة مفصلة و مختصرة عن جزء من التاريخ الجزائر العريق و العتيق ، و نبذة عن كفاح جوهرة الجنوب الغربي العين الصفراء في وجه الاستعمار الفرنسي الغاشم ، و عن شخصية تاريخية أخرى طواها النسيان  بسبب الشكوك التي أثيرت حولها و عليه فولاية النعامة تزخر بثروات و كنوز كبيرة في ميادين مختلفة كالفلاحة ، الرعي ، الصناعة ، التاريخ  والسياحة ، ... فهل تستفيد من الآثار الأدبية لهذه الشخصية الكبيرة كالقيام بمعارض. أفلام، ندوات دورية و الأفلام الوثائقية..?   

 

 

جريدة الرأي : عدد 322 الأثنين 1999/05/24

 البحث للأستاذ : بوداود  بلعرج     

                                                         ترجمة : سعدي محمد امين

                                                                نابتي علي

 

-

Partager cet article
Repost0
Pour être informé des derniers articles, inscrivez vous :
Commenter cet article